تصوّر معي نقطة تدور حولها مدارات عشوائية متداخلة؛ منها ما هو واضح وغير واضح، ومنها ما يوصل إلى النقطة وما لا يوصل إليها..
تلك النقطة هي القرار الرشيد الذي يجب أن تصل إليه المنظمة، لإحداث التغيّر، وأما المدارات الواضحة التي توصل إليها فهي المعلومات الصحيحة من المعارف الصريحة، وتلك التي لا توصل إلى النقطة معلومات غير صحيحة أو لا تهم في اتخاذ القرار، والمدارات غير الواضحة معارف ضمنية سواءً أَوْصَلت إلى تلك النقطة أم لم تُوصِل. وما على المنظمة أن تعمله: أن تُوضّح غير الواضح من المدارات (بأن تحول المعارف الضمنية إلى معارف صريحة)، ثم تنظمها بحركة متناغمة غير عشوائية، تستطيع بها أن تعبر من خارج المدارات إلى القرار الرشيد، بسلاسة ومنطق سليم.
يقول عرّاب إدارة المعرفة “سكوت ليب” -باختصارٍ لتعريفها-: “أن تصل المعلومات الصحيحة إلى الشخص المناسب في الوقت المناسب ليتخذ القرار المناسب“. وعلى هذا التعريف؛ فإن السند الأول والأهم للقرار الرشيد في أي منظمة هي “المعلومات الصحيحة“.
بأسلوب أكثر عمقاً وتقريباً للممارسة العملية؛ يمكننا أن نصل إلى القرار الرشيد عبر قولبة المعلومات في مسارات أو مدارات يسميها أهل الاختصاص: (النطاقات المعرفية) وتعني المجالات التي يحتاج فيها الأفراد داخل المنظمة إلى معارف ضمنية وصريحة؛ ثم تنظيم تدفق المعلومات في هذه النطاقات نحو القرار.
هذا بالتحديد ما انطلقت منه المنظمات العالمية البارزة -وأعني ضبط المعلومات وإدارة توثيقها وتدفقها- الأمر الذي رفع قيمتها، وضاعف قوتها التنافسية في زمن “الزخم المعلوماتي” الذي يحدد قيمة المنظمات بناءً على معلوماتها؛ فنجد -مثلاً- في سبيل الوصول إلى إدارة معرفة فاعلة: تميُّز معهد إدارة المشاريع الأمريكي في بناء أدوات جمع المعلومات وتحليلها، وأساليب عرضها على الإدارات العليا، وتميُّز وكالة ناسا الفضائية في تحديد النطاقات المعرفية وفهم تداخلها وتطويراتها، لتصل بها إلى القرارات الرشيدة، وتميُّز منظمة الخدمات الصحية البريطانية NHS “غير الربحية” في تدرّج الأنشطة المترابطة بالمعلومات للوصول إلى إدارة فاعلة للمعرفة، وغيرها من المنظمات بتجاربها المتميزة الناجحة في تطوير أساليبها الخاصة لبناء ترسانة معلوماتية سهلة التناقل والتدفق، وقوية المساندة لاتخاذ القرار الرشيد.
تكتسح إدارة المعرفة في وقتنا الحالي مجال اهتمامات أصحاب المؤسسات ورؤوس الأموال عبر برامجها والتطبيقات التي تساعد عليها؛ فوفق استطلاع أجرته منظمة APQC -المتخصصة في إدارة المعرفة- عام 2023؛ ظهر أن 66% من ممارسي إدارة المعرفة يرون أنها تكتسح العمل ومجال الاهتمام بزيادة 16% عن العام الماضي 2022، مما يدل على أنها تكتسب زخماً مع مرور الوقت.
لذا؛ فإن على مستوى القطاع غير الربحي؛ تشتد الحاجة إلى تطوير نظام لإدارة المعرفة في منظماته المتنوعة؛ لأننا في القطاع غير الربحي نقدم قيمةً نسعى من خلالها إلى إحداث أثر إيجابي تنموي في المجتمع الذي نعيش فيه، وبالتالي فإن القرارات الرشيدة أحوج ما تكون تدفق منظّم للمعلومات القيّمة والمعارف الضرورية إلى مرحلة اتخاذ القرار، ليوجّه الممارسةَ نحو التغيير الإيجابي في المجتمع على بصيرة من المعلومات والمعارف؛ ومن ثَم تنبت زهرة التنمية المُورِقة من داخل النقطة التي نظّمْنا مداراتها.